السيد هاشم البحراني

323

البرهان في تفسير القرآن

وأنزل عليه القرآن فيه تفصيل كل شيء ، بين فيه الحلال والحرام ، والحدود والأحكام ، وجميع ما يحتاج إليه الناس كملا ، فقال عز وجل ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ ) * « 1 » وأنزل في حجة الوداع وهي آخر عمره ( صلى الله عليه وآله ) : الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي ورَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِيناً ) * « 2 » فأمر الإمامة من تمام الدين ، ولم يمض ( صلى الله عليه وآله ) حتى بين لامته تمام دينهم « 3 » ، وأوضح لهم سبيلهم ، وتركهم على قصد الحق ، وأقام لهم عليا ( عليه السلام ) علما وإماما ، وما ترك شيئا تحتاج إليه الأمة إلا بينه . فمن زعم أن الله عز وجل لم يكمل دينه فقد رد كتاب الله ومن رد كتاب الله فهو كافر ، هل يعرفون قدر الإمامة ومحلها من الأمة ، فيجوز فيها اختيارهم ؟ ! إن الإمامة أجل قدرا ، وأعظم شأنا ، وأعلى مكانا ، وأمنع جانبا ، وأبعد غورا من أن يبلغها الناس بعقولهم ، أو ينالوها بآرائهم ، أو يقيموا إماما باختيارهم . إن الإمامة خص الله بها إبراهيم الخليل ( عليه السلام ) بعد النبوة ، والخلة مرتبة ثالثة ، وفضيلة شرفه بها ، وأشاد بها ذكره ، فقال عز وجل : * ( إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِماماً ) * فقال الخليل ( عليه السلام ) مسرورا « 4 » بها : * ( ومِنْ ذُرِّيَّتِي ) * قال الله تبارك وتعالى : * ( لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ ) * فأبطلت هذه الآية إمامة كل ظالم إلى يوم القيامة فصارت في الصفوة ( عليهم السلام ) « الحديث . 608 / [ 6 ] - العياشي : رواه بأسانيد عن صفوان الجمال ، قال : كنا بمكة فجرى الحديث في قول الله : * ( وإِذِ ابْتَلى إِبْراهِيمَ رَبُّه بِكَلِماتٍ فَأَتَمَّهُنَّ ) * قال : أتمهن بمحمد وعلي والأئمة من ولد علي ( صلى الله عليهم ) في قول الله : ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِنْ بَعْضٍ واللَّه سَمِيعٌ عَلِيمٌ ) * « 5 » ، ثم قال : * ( إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِماماً قالَ ومِنْ ذُرِّيَّتِي قالَ لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ ) * قال : يا رب ، ويكون من ذريتي ظالم ؟ قال : نعم ، فلان وفلان وفلان ومن اتبعهم . قال : يا رب ، فاجعل « 6 » لمحمد وعلي ما وعدتني فيهما ، وعجل نصرك لهما ، وإليه أشار بقوله : ومَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْراهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِه نَفْسَه ولَقَدِ اصْطَفَيْناه فِي الدُّنْيا وإِنَّه فِي الآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ ) * « 7 » فالملة : الإمامة . فلما أسكن ذريته بمكة ، قال : * ( رَبِّ اجْعَلْ هذا بَلَداً آمِناً وارْزُقْ أَهْلَه مِنَ الثَّمَراتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّه والْيَوْمِ الآخِرِ ) * « 8 » ، فاستثنى * ( مَنْ آمَنَ ) * خوفا أن يقول له : لا ، كما قال له في الدعوة الأولى :

--> 6 - تفسير العياشي 1 : 57 / 88 . ( 1 ) الأنعام 6 : 38 . ( 2 ) المائدة 5 : 3 . ( 3 ) في المصدر : معالم دينهم . ( 4 ) في المصدر : سرورا . ( 5 ) آل عمران 3 : 34 . ( 6 ) في المصدر : فعجل . ( 7 ) البقرة 2 : 130 . ( 8 ) البقرة 2 : 126 .